<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>مقالات الحرية &#187; &#187; أحمد صدقي الدجاني</title>
	<atom:link href="http://7oreya.com/Articles/tag/%d8%a3%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b5%d8%af%d9%82%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%ac%d8%a7%d9%86%d9%8a/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://7oreya.com/Articles</link>
	<description>7oreya.com لأننا دليل الحرية</description>
	<lastBuildDate>Thu, 02 Jan 2020 14:27:06 +0000</lastBuildDate>
	<language>ms-ar</language>
	<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=4.2.38</generator>
	<item>
		<title>الحوار مع الآخر في الإسلام</title>
		<link>http://7oreya.com/Articles/2011/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d8%ae%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/</link>
		<comments>http://7oreya.com/Articles/2011/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d8%ae%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 18 May 2011 10:38:50 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[wiszaq]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[Articles]]></category>
		<category><![CDATA[أحمد صدقي الدجاني]]></category>
		<category><![CDATA[مقالات فكرية]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://7oreya.com/Articles/?p=153</guid>
		<description><![CDATA[بقلم المرحوم أ.د. أحمد صدقي الدجاني موضوع هذا البحث هو &#8220;الحوار مع الآخر في الإسلام&#8221;. وهو مقدم لمؤتمر &#8220;الإسلام وقضايا العصر&#8221; الذي دعت إليه &#8220;اللجنة الوطنية العليا لإعلام عَمان عاصمة للثقافة العربية عام 2002&#8243;. وقضايا العصر التي يناقشها المؤتمر فضلاً عن قضية الحوار مع الآخر هي قضية الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وقضية المرأة، وقضية النظام &#8230; </p><p><a class="more-link block-button" href="http://7oreya.com/Articles/2011/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d8%ae%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/">Continue reading &#187;</a>]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<div style="text-align: left;" dir="rtl"><strong>بقلم المرحوم أ.د. أحمد صدقي الدجاني</strong></div>
<div dir="rtl">
<div style="width: 170px" class="wp-caption alignleft"><img alt="" src="http://www.onislam.net/arabic/oimedia/onislamar/images/mdarik/2004/02/11348.jpg" title="Ahmad_Sidqi_Dajani" width="160" height="200" /><p class="wp-caption-text">د. أحمد صدقي الدجاني</p></div>موضوع هذا البحث هو &#8220;الحوار مع الآخر في الإسلام&#8221;. وهو مقدم لمؤتمر &#8220;الإسلام وقضايا العصر&#8221; الذي دعت إليه &#8220;اللجنة الوطنية العليا لإعلام عَمان عاصمة للثقافة العربية عام 2002&#8243;. وقضايا العصر التي يناقشها المؤتمر فضلاً عن قضية الحوار مع الآخر هي قضية الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وقضية المرأة، وقضية النظام العالمي. وقد عهدت إلى عدد من أهل الفكر بمعالجتها.</div>
<div dir="rtl"><span id="more-153"></span></div>
<div dir="rtl">
<p>في معالجتي للموضوع أقف بداية أمام دلالات مصطلح &#8220;الإسلام&#8221; من حيث كونه ديناً وحضارة ودائرة حضارية. ثم أتناول عملية الحوار بالنظر والتحليل. واستحضر من ثم قضايا العصر. وأتعرف على الآخر في كل دوائره. وأصل إلى ما يعنيه &#8220;الحوار مع الآخر في الإسلام&#8221; نظرياً وعملياً في عالمنا المعاصر. * مفاهيم</p>
<p>(1) &#8220;الإسلام&#8221; ديناً هو الرسالة السماوية الخاتمة التي أرسل الله سبحانه محمداً بن عبد الله بها &#8220;شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بأمره وسراجاً منيراً&#8221;. وهذه الرسالة تمثل الحلقة الأخيرة في سلسلة الرسالات التي حملها رسل الله السابقون الذين كانوا مسلمين لله. والمؤمنون بهذه الرسالة الخاتمة ينسبون للإسلام فهم &#8220;المسلمون&#8221;. وكتابهم هو &#8220;القرآن&#8221; الذي نزل به الوحي الأمين على الرسول (ص). وهو يتضمن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله. ومن هذه الكتب التوراة والإنجيل المنزلين على موسى وعيسى عليهما السلام. وقد نظر المسلمون إلى اليهود والنصارى المسيحيين على أنهم &#8220;أهل كتاب&#8221;. واحترمت دولة الخلافة الإسلامية معتقداتهم، إذ لا إكراه في الدين&#8221; واعتبرتهم في &#8220;ذمتها&#8221; فهم &#8220;أهل ذمة&#8221; لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين.</p>
<p>الإسلام حضارةً، هي تلك الحضارة التي أقامها المسلمون وغير المسلمون من شعوب الدولة الإسلامية على اختلاف مللهم وأقوامهم، وانتموا جميعاً إليها. وقد عرفت باسم &#8220;حضارة الإسلام&#8221; أو &#8220;الحضارة الإسلامية&#8221;، وتمثلت حضاراتٍ سبقتها. وهي اليوم في القرن الخامس عشر من قيامها/ واحدة من ثماني حضارات في عالمنا المعاصر.</p>
<p>والإسلام دائرة حضارية هو ديار المسلمين أو العالم الإسلامي أو بتحديد أدق جميع الأقطار التي تنتمي شعوبها لحضارة الإسلام من المسلمين والمسيحيين واليهود وملل أخرى. وهي تمتد في قارات العالم القديم آسيا وإفريقيا وأوروبا. وهناك من أبنائها من هاجر إلى العالم الجديد.</p>
<p>(2) &#8220;الحوار&#8221;: في تناولي &#8220;عملية الحوار بالنظر والتحليل&#8221; استحضر ما كتبته عنها في كتابي &#8220;حوار ومطارحات&#8221;. وفيه &#8220;لقد شاع استخدام كلمة &#8220;الحوار&#8221; في لغتنا هذه الأيام على مختلف الصُعُد. فالحديث يدور حول &#8220;حوار الحضارات&#8221; وحوار التيارات &#8220;الثقافية&#8221; المختلفة، و&#8221;حوار الشمال والجنوب&#8221;، و&#8221;الحوار العربي الأوروبي&#8221;، و&#8221;الحوار الإسلامية المسيحي&#8221;. فالحوار اليوم هو من&#8221;روح&#8221; العصر وإحدى ظواهره الهامة. وقد تميز عصرنا بثورة الاتصال التي إحدى ثمار ثورة العلم التي تفجرت فيه. ومع ثورة الاتصال هذه بأجهزتها السلكية واللاسلكية المسموعة والمرئية، وبوسائلها البرية والبحرية والجوية قَوِيَ &#8220;التواصل بين بني الإنسان، واتسعت دائرة الحوار وتنوعت موضوعاته بصورة لم تعرفها الإنسانية من قبل&#8221;. وشاهد على ذلك هذا العدد الضخم للمؤتمرات والندوات والاجتماعات التي تعقد كل يوم في عالمنا وتنوع الموضوعات التي تبحثها.</p>
<p>ننظر في كلمة &#8220;حوار&#8221; ونستعين بالمعجم في تحديد معناها، فنجد أنها من &#8220;الحَوْر&#8221; وهو &#8220;الرجوع عن الشيء وإلى الشيء&#8221;. و&#8221;حار حوْاراً&#8221; إلى الشيء &#8220;رجع عنه وإليه&#8221;. وما رجع إلى المرء حين يكلم آخر هو &#8220;حِوَار (بفتح الحاء وكسرها) ومحاورة وحَوير ومَحُورة&#8221; أي &#8220;جواب&#8221;. وأحار عن جوابه أي ردّه. ويقال &#8220;سمعت حَويرهَما وحِوارهما&#8221;. والمحاورة هي المجاوبة. والتحاور هو التجاوب. وهم يتحاورون أي يتراجعون في الكلام. والمحاورة هي مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة.</p>
<p>&#8220;الحوار&#8221; إذاً &#8220;عملية&#8221; تتم بين اثنين أو أكثر. وهي تتضمن حين تجري بين اثنين &#8220;طرحاً&#8221; من أحدهما يتمثله الآخر &#8220;ويجيب&#8221; عليه، فيحدث &#8220;تجاوب&#8221; يُولد عند كل منهما &#8220;مراجعة&#8221; لما طرحه من كلام ومنطق حكم هذا الكلام. وقد تثمر هذه المراجعة طرحاً ثانياً يتبعه تجاوب ومراجعة فتكون &#8220;مُرادّة في الكلام&#8221;. فهذه المرادة هي المحاورة والحوار عند الأصبهاني صاحب &#8220;المفردات في غريب القرآن&#8221;. وقد ورد في القرآن الكريم الفعل المضارع &#8220;يحاوره&#8221; مرتين في سورة أهل الكهف في قصة &#8220;الرجلين والجنتين&#8221; و&#8221;تحاوركما&#8221; في سورة المجادلة.</p>
<p>تتعدد أطراف &#8220;عملية&#8221; الحوار حين يجري بين أكثر من اثنين، فيتلقى &#8220;الطرح&#8221; أكثر من &#8220;جواب&#8221; وتتسع دائرة &#8220;التجاوب&#8221; و&#8221;المراجعة&#8221; و&#8221;المرادة&#8221; وتثمر طروحاً أخرى تصل بهذه الأطراف إلى أجوية أخرى. وقد تنتهي بهم إلى الاتفاق أو إلى اطمئنان كل منهم لما توصل إليه.</p>
<p>لعل أبرز ما يستوقفنا في دلالة لفظ &#8220;حوار&#8221; هو هذه &#8220;المراجعة&#8221; التي تحدث. &#8220;فالحوْر&#8221; هو &#8220;التردد&#8221; أما بالذات وأما بالفكر. وحار المرء في الغدير &#8220;تردد&#8221;، وحار في أمره أي &#8220;تحير&#8221;. ومن هنا يتميز &#8220;الحوار&#8221; بأنه يتضمن في طياته عملية تحدث، وتجري خلالها مراجعة. فالموقف المتخذ في هذه العملية ليس سكونياً قطعياً غير قابل للتغيير والتبديل، وإنما هو حركي قابل للتحول.</p>
<p>هنا يبرز الفرق بين &#8220;الحوار&#8221; و&#8221;الجدل&#8221; الذي هو &#8220;المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة&#8221;. وأصله من &#8220;الجدل&#8221; وهو &#8220;إحكام الفتل&#8221;، فكأن المتجادلين يفتل كل واحد منهما الآخر عن رأيه. وقيل أيضاً الأصل في الجدال الصراع. وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة وهي الأرض الصلبة. فالموقف الذي يتخذه المجادل قطعي. وهو يرمي في جداله تحويل الآخر عن رأيه دون أن يراجع نفسه على ضوء ما يتلقاه من رد وجواب. وقد تضمن أولى آيات سورة المجادلة الكلمتين لتبرز هذا الفرق بين موقفين &#8220;قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركما&#8221;.. فالمرأة هنا وهي الصحابية الجليلة خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها كانت &#8220;تجادل&#8221; رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما كان هو &#8220;يتحاور&#8221; معها.</p>
<p>بقي أن نقول في معرض تحديدنا لمعنى كلمة &#8220;حوار&#8221; أن الحوار هو &#8220;حديث&#8221; يتضمن &#8220;طرح&#8221; أفكار. والطرح لغة الإلقاء بعيداً. وطرح عليه مسألة يعني ألقاها. ومنها اشتقت &#8220;الأطروحة&#8221; وهي المسألة التي تطرح، و&#8221;المطارحة&#8221;. وعملية الحوار تشهد مطارحة أفكار. وهي تتضمن &#8220;محادثة&#8221;. لأن الحديث هو كل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في اليقظة أو في المنام. ونشير أخيراً إلى ما تتميز به كلمة &#8220;حوار&#8221; من جرس موسيقي يوحي بوجود مراجعة وتفاعل ونتأمل عملية &#8220;الحوار&#8221; على الطبيعة كما تجري في المحافل، فنجد أنها تبدأ &#8220;عسيرة&#8221; ثم &#8220;تتيسّر&#8221; تدريجياً حتى تصل إلى مرحلة &#8220;التناغم&#8221; وتبلغ &#8220;الذروة&#8221; فتثمر &#8220;نتائج&#8221; محددة.</p>
<p>أمر آخر نجده في عملية &#8220;الحوار&#8221; ونحن نتأملها. ذلك هو ما يفجره &#8220;التفاعل&#8221; الذي تشهده في عقل كل مشارك فيها، فتتدفق الأفكار فيه تدفقاً، وتلمع البوارق، وتثور الخواطر، وكأن عقل الإنسان الفرد بحاجة إلى أن &#8220;يقدح&#8221; بعقل إنسان آخر كي تتقد الأفكار فيه.</p>
<p>لقد أبرز أبو حيان التوحيدي تلك الخاصية من خواص الحوار في كتابه &#8220;المقابسات&#8221;. فمعنى المقابسات كما يقول الدكتور إبراهيم الكيلاني الذي قدم للكتاب هو &#8220;أن يشترك اثنان أو أكثر في محاورة علمية أو فلسفية فيقبس أحدهما العلم والمعرفة من الآخر، ويعطيه ما عنده منهما&#8221;. والكلمة مشتقة ن &#8220;قبس&#8221;منه ناراً فأقبسه أي أعطاه منها. وفي المجاز أقبس منه علماً أي استفاد. وفي الحوار دوماً مقابسة تأتي من خلال المحادثة ومطارحة الأفكار. ومن خواصه أن يقدح زناد العقول فتشع أفكاراً.</p>
<p>نصل من خلال تأملنا في عملية &#8220;الحوار&#8221; إلى إدراك عظيم جدواها وفوائدها، وإلى استشعار مدى حاجة الإنسان إليه.</p>
<p>(3) قضايا العصر في عالمنا يحددها واقع قائم. ونحن نستحضرها في هذا المؤتمر في وقت يعيش فيه عالمنا فترة عصيبة، وهو يشهد أحداث حرب من نوع خاص تنذر بزلازل عالمية، فيكتم أنفاسه تحسباً من تداعياتها ومضاعفاتها. وتبدو الحاجة ملحة لأن يحل الحوار محل الصراع وصولاً إلى تعارف فتعاون تتغلب فيه الحكمة ويؤدي إلى معالجة المشكلات التي نجمت عن هذه القضايا من جذورها كي يستتب سلام قائم على العدل.</p>
<p>لقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية هذه الحرب يوم 7/10/2002 باسم &#8220;الحرب ضد الإرهاب&#8221; بعد أقل من شهر على حدث 11/9/2001 في نيويورك وواشنطن. واستهدفت مع بريطانيا وتحالف دولي أفغانستان، للقضاء على حكومة طالبان وتنظيم القاعدة. وعاش العالم أخبار فظائع ما جرى هناك. ولا تزال الأحداث الجارية في تلك الجبهة بين حين وحين تدل على أنها مستمرة كجبهة حرب.</p>
<p>كانت الإدارة الأمريكية قد أعطت الضوء الأخضر للحكومة الإسرائيلية لبدء حرب في فلسطين في أعقاب فشل مفاوضات كامب دافيد الثانية في صيف عام 2000 في فرض التنازل عن القدس على المفاوض الفلسطيني، فكان أن قام مجرم الحرب ارييل شارون بانتهاك حرمة المسجد الأقصى يوم 27/9/2000، وبدأت انتفاضة الأقصى في اليوم التالي. وقد استهدفت واشنطن من هذه الحرب القضاء على حركة التحرير المستمرة لشعب فلسطين العربي ضد الغزو الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري وإذلاله وأمته العربية ودائرته الحضارية الإسلامية باغتصاب القدس عنوة بمقدساتها المسيحية والإسلامية. وعهدت أمريكا للجيش الإسرائيلي بتولي الحرب في جبهة فلسطين، مجاهرة بتزويد الحكومة الإسرائيلية بالسلاح والدعم المادي والمعنوي. ولا تزال الأحداث الجارية في جبهة فلسطين، من جرائم صهيونية يومية ودخول الانتفاضة عامها الثالث تدل على مدى احتدام الحرب فيها.</p>
<p>وها هي الإدارة الأمريكية قد حشدت آلتها العسكرية لشن حرب على العراق وفرضت مع بريطانيا على الأمم المتحدة إصدار قرار مجلس الأمن 1441 الفريد من نوعه بين القرارات الدولية الذي ينظم عمل فريق تفتيش دولي على أسلحة الدمار الشامل في العراق بزعم امتلاك الحكومة هناك هذه الأسلحة. وتوضح دراسات تحليلية للتحرك الأمريكي هذا على أنه يستهدف إكمال سيطرة القطب الواحد الأمريكي على النفط في العالم وإحكام قبضته على المنطقة العربية ودائرة الحضارة الإسلامية، والحيلولة دون قيام أقطاب آخرين. وقد دللت المناقشات في مجلس الأمن حول ذلك القرار تململ دول كبيرة من التحرك الأمريكي ومحاولتها عرقلته. وتشير الأحداث الجارية على هذا الصعيد إلى أن خطر فتح جبهة أخرى في هذه الحرب ماثل، وكثيرون في عالمنا يحبسون أنفاسهم ويضعون أيديهم على قلوبهم تحسباً من أهوال متوقعة.</p>
<p>جاء تفجر هذه الحرب في مطلع القرن الحادي والعشرين الميلادي بعد أن عاش عالمنا في القرن العشرين فظائع حربين عالميتين والعديد من الحروب المحلية والإقليمية في زمن ما عرف بالحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي قائدتي المعسكرين الغربي والشرقي في إطار الحضارة الغربية. وهكذا عاش عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية واقعاً قائماً حافلاً بالقضايا والمشكلات والتحديات.</p>
<p>هذا الواقع القائم تناولَتْه بالدراسة والنظر بحوث ودراسات وتقارير كثيرة. وقد عرضْتُ خطوطه العريضة في بعض كتبي وبخاصة &#8220;عُمران لا طغيان&#8221; و&#8221;عن المستقبل&#8221;. واستحضر هنا في هذا المجال عصارات تعرّف به.</p>
<p>يجري الحديث فيه عن مشكلات فيه تتحدى الإنسان، ومنها مشكلات &#8220;حماية البيئة والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية لاسيما غير المتجددة منها وأزمة الطاقة والعمالة والتضخم والكفاح ضد الآفات الاجتماعية التي لا تزال تعاني منها غالبية الشعوب والقضاء على أوجه الظلم وعدم المساواة التي تنتشر داخل الأمم وتسود فيما بينها والدفاع عن حقوق الإنسان والكفاح ضد مخلفات الاستعمار وحماية السلام ونزع السلاح&#8221;، كما أوضح تقرير اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال الذي صدر عن اليونسكو عام 1981.</p>
<p>كما يجري الحديث في هذا الواقع عن &#8220;أقلية من الناس في عالمنا تمتلك النصيب الأكبر من الثروات والدخل. وهناك مئات الملايين من البشر جوعى بينما أقوام آخرون منهمكون في الاستهلاك على نطاق ضخم. والدول المالكة لكثير من المواد الخام لا تشترك إلا هامشياً في الإنتاج الصناعي. وقد أصبح اعتماد الأغلبية على الأقلية أكثر وضوحاً ورسوخاً، وبانت الفجوة بين دول يقع معظمها في الشمال ودول يقع معظمها في الجنوب. وهذه الفجوة آخذة في الاتساع. وأوجه التفاوت آخذة في الزيادة حجماً وتطوراً وقد لاحظت الفقرة الأولى من إعلان الأمم المتحدة الخاصة بإقامة نظام دولي جديد الذي صدر في أيار ـ مايو 1974 &#8220;أن مكاسب التقدم التقني ليست مقسمة بالتساوي بين أعضاء المجتمع الدولي. وقد ثبت أنه من المستحيل تحقيق تنمية عادلة ومتوازنة للمجتمع الدولي في ظل النظام الاقتصادي الحالي. ذلك بأن الفجوة بين البلدان النامية وجود كبلدان مستقلة، وهو نظام يديم عدم المساواة&#8221;.. على صعيد استغلال موارد المحيطات بطريقة سيئة أو بصورة بالغة الكثافة من جانب قلة من الدول تنتهك الحق المتكافئ لجميع الدول الأخرى في التمتع بنصيبها مما هو هبة الطبيعة للبشرية جمعاء.. وعلى صعيد إنتاج الغذاء وتوزيعه.. وعلى صعيد انتشار التقنية والصناعات.. وعلى صعيد تأثير الإنسان على البيئة.. وعلى صعيد بنى التجارة وشروط التبادل التجاري.. وعلى صعيد استخدام المواد الخام.. وعلى صعيد لعمل والعمالة. وما يصدق على هذا النظام الاقتصادي الدولي يصدق على الاتصال الدولي، وعلى النظام الدولي السياسي، أي على النظام العالمي بجوانبه المختلفة.</p>
<p>واضح أن الواقع القائم في عالمنا محكوم بما يصطلح على تسميته بالنظام العالمي الذي يعود في أصوله إلى النظام الأوروبي، وهو نظام بدأ يتكون في أوروبا منذ القرن السادس عشر الميلادي ولم يلبث أن حكم العلاقات بين الدول الأوروبية في أوروبا ثم في خارجها في القارات الأخرى إبان عصر الاستعمار الأوروبي. وكان عالمنا قد عرف أنظمة أخرى في مناطق أخرى، من بينه النظام الذي عرفته الحضارة العربية الإسلامية في علاقتها مع الشعوب والدول الأخرى، وهو نظام قام على نظرية وكانت له طبيعته ومصادره، كما أوضح مجيد حذوري في تقديمه لكتاب السير للشيباني.</p>
<p>تتحدث الدراسات المستقبلية التي عالجت النظام العالمي القائم عن البدائل المطروح ضمن مشاهد مستقبلية وعن أنماط التفاعلات الدولية الجارية فيها، فتتصور ثلاثة أنظمة للتفاعلات تحدد شكل العلاقات الدولية مستقبلاً، وهي نظام التعاون والتنافس، ونظام التوتر والردع، ونظام العنف والحرب. وهي تقرر أن نظام التسلح ظل متقدماً على الحد من التسلح، وتحذر من سيادة قيم ثقافة حسية في الغرب بمعسكريه ومن محاولة الانغماسيين في المجتمعات الأخرى تبينها لأنها لن تكون نابعة عن علاقة أصيلة عضوية مع قوى الإنتاج التقنية الأمر الذي يؤدي إلى ردود فعل قوية لدى الجماهير ترفضها في شكل عقائد وتراها ملازمة للتبعية، كما تنبه إلى خطورة احتمال أن تسود علاقات الاعتماد غير المتكافئة أو علاقات التبعية على صعيد النظام الاقتصادي فتتلاشى الشخصية المعنوية للدول الأضعف، وفق ما عرضه عبد المنعم سعيد في كتابه &#8220;العرب ومستقبل النظام العالمي&#8221; لآراء كوهن ووايز ومايلز وكول وجيرشني وكوين وناي وغيرهم من دارسي المستقبل في الغرب.</p>
<p>إن النظر في واقع النظام العالمي القائم وأصوله ورؤى مستقبله يوصل إلى الشك في قدرته على أن يثمر تعاوناً دولياً لحل مشكلات عالمنا. ويوضح أن هناك مسببات توتر توجد في ظل هذا النظام هي الاستعمار والاستعلاء العنصري والاستغلال الطبقي والتعصب الديني والصراع العقيدي والإرهاب الرسمي وغير الرسمي، وأن وراء هذه المسببات أزمة قيم تفعل فعلها في هذا النظام يجري فيها إنكار الغير وعدم التسليم باختلافه والكيل بكيلين وتسلط فكرة القوة الغاشمة والمصلحة المتأثرة بدلاً من الحق والعدل وتحكم فكرة الصراع بدلاً من التعارف والتعاون واعتبار الطبيعة عدواً يصارعه الإنسان ويقهره. وينتهي هذا النظر في واقع النظام العالمي إلى ملاحظة أن الإحساس بالأخطار الناجمة عن أزمة القيم هذه أصبح قوياً في عالمنا بعد أن هددت الجميع وأنذرت بفتنة لا تصيبن الذين ظلموا خاصة، وأنها تدعو إلى مراجعة وقد بدأت هذه المراجعة فعلاً في عوالم عالمنا الثلاث، وهي تشهد تفاعلات في الأعماق وعلى السطح وتؤدي إلى تغييرات، وأن عالمنا يشهد صحوة الفكر الفلسفي الذي عاد إلى طرح التساؤلات الفلسفية الأولى كما يشهد ظاهرة إحياء روحية تفاعلت في تكوينها عوامل مختلفة سياسية واجتماعية وثقافية ويشهد أيضاً وعياً في الذات القومية ونزوعاً إلى الوحدة القائمة على التنوع.</p>
<p>النتيجة التي نتوصل إليها هي أن النجاح في معالجة هذه القضايا يقتضي العمل لإقامة نظام عالمي يعتمد القيم العلا المبادئ الأخلاقية لأن اختبار الإنسان عبر التاريخ يظهر أن أي نظام على أي صعيد يفقد معناه إذا لم يفعل ذلك، وأن السلام يتحقق حين يسود نظام قيمي أخلاقي. كما يقتضي التواؤم مع البيئة انطلاقاً من إدراك أن الإنسان جزء من نظام الكون، ووعي مختلف الأقوام والدول بحقيقة انتمائهم إلى الدائرة العالمية إلى جاني انتمائهم لدوائر الموطن والقوم والعقيدة والحضارة، والاعتراف بالتعددية القومية والحضارية والانطلاق منها إلى الوحدة القائمة على التنوع من خلال تحقيق التفاعل بين مختلف الثقافات.</p>
<p>تبيِّن هذه النتيجة بخاصة أهمية كل من العقيدة والانتماء القومي والحضاري في التعامل مع قضايا العصر. كما تبيِّن أن هناك دوراً ينتظر الحضارة العربية الإسلامية كي تقوم بالإسهام في صنع الاستجابة الصحيحة لتحديات العصر ومعالجة مشكلات عالمنا.</p>
<p>تبيِّن هذه النتيجة أخيراً أن عدم التصدي لمعالجة قضايا العصر واستمرار النظام العالمي الحالي سيعني سيادة علاقات التبعية على صعيد النظام الاقتصادي. الأمر الذي سيؤدي إلى أن يشهد عالمنا تفاعلات ضمن نظام التوتر والردع تتحول إلى تفاعلات ضمن نظام العنف والحرب، فيستحيل من ثم قيادة نظام التعاون والتنافس.</p>
<p>لا بديل إذاً أمام أمتنا والأمم الأخرى التي تعاني من النظام العالمي الحالي عن أن تحشد كل طاقاتها لإقامة النظام العالمي الجديد الذي يعتمد القيم العلا والمبادئ الأخلاقية مع المصلحة ويحقق تواؤم الإنسان مع نفسه ومجتمعه وبيئته.</p>
<p>(4) الآخر: يتحدد تبعاً للمتكلم مفرداً كان أو جمعاً (أنا ونحن) وجمعه &#8220;الآخرون&#8221;. وهو مرتبط بالذات والذوات. وقد شاع استخدامه للدلالة على &#8220;الغير&#8221;. ويفضّل طاهر لبيب محرر كتاب &#8220;صورة الآخر&#8221; استخدام مصطلح &#8220;الآخرية&#8221; بدلاً من &#8220;الغيرية&#8221;، والآخرين بدلاً من الأغيار. وهو يلاحظ أن الجهل بالآخر ومن ثم رفضه ظاهرة متفشية بين الثقافات. والحق أن المعرفة بالآخر غنى والجهل به فقر. وينبّه طاهر لبيب أيضاً إلى &#8220;أن العزلة الثقافية تؤدي إلى العنصرية، وأن صورة الآخر ليست هي الآخر&#8221;. ونضيف وهي تختلف تبعاً للمعرفة أو الجهل به. وقد أوضحت في كتابي &#8220;الحوار العربي الأوروبي&#8221; أن هناك في واقع الأمر أربع صور تتعلق بالأنا وبالآخر، هي صورته عني، وصورته عن نفسه، وصورتي عنه، وصورتي عن نفسي، وهي ليست متماثلة. وضربت أمثلة على ذلك في شرح مفصل.</p>
<p>والآخر موجود في كل دوائر انتماء &#8220;الأنا&#8221;. الانتماء الوطني لقطر له &#8220;جنسية&#8221;. والانتماء الديني وفي إطاره الانتماء المذهبي. والانتماء القومي وفي إطاره الانتماء الطائفي. والانتماء الحضاري. ويجتمع الأنا والآخر في دائرة الانتماء الإنساني لأمِّنا الأرض وللبشرية جمعاء. وقد عبر عن الإدراكِ بهذه الحقيقة الشاعر العربي بقوله &#8220;إذا كان أصلي من ترابٍ فكلُهَا بلادي وكل الناسِ فيها أقاربي&#8221;</p>
<p>نركز النظر على الانتماء الحضاري، فنجد أن &#8220;الآخر&#8221; بالنسبة للمنتمي للحضارة الإسلامية هو المنتمي لواحدة من الحضارات الأخرى في عالمنا. وقد أوضحت في كتابي &#8220;عرب ومسلمون وعولمة&#8221; بعد أن استعرضتُ عدداً من الآراء بشأن هذه الحضارات &#8220;أن الرأي الذي نطمئن إليه بعد إعمال فكر وإمعان نظر، هو أن هناك اليوم ثمان دوائر حضارية يمكن التمييز بينها تكشفها النظرة المحيطة، وتسود في كل منها حضارة غالبة لها خصائصها. فهناك الغربية بفرعيها الأوروبية والأمريكي الشمالي، والحضارة الأمريكية الجنوبية التي جاءت ثمرة تفاعل حضارة المستعمرين المستوطنين الغربية القادمين من شبه جزيرة أيبريا مع حضارة سكان البلاد الأصليين مع الحضارة الإفريقية المتأثرة بالحضارة الإسلامية. ونحن مع الرأي الذي يميزها عن الحضارة الغربية. وهناك الحضارة الصينية والكونفوشوسية، والحضارة اليابانية في أقصى الشرق في آسيا، والحضارة الهندوكية في الهند، وهناك الحضارة الأرثوذكسية السلافية في روسيا وأوروبا الشرقية الجنوبية. وهناك الحضارة الإفريقية السائدة في جنوب الصحراء في قارة إفريقيا، والحضارة الإسلامية بفروعها في آسيا وإفريقيا.</p>
<p>فإذا ما ركزنا النظر على الانتماء للدولة الوطنية القطرية بحدودها القائمة، نجد أن الآخر هو المقيم فيها أو الزائر لها الذي يحمل جنسية أخرى، فهو &#8220;غير مواطن&#8221;.</p>
<p>و&#8221;الآخر&#8221; بالنسبة للانتماء الديني هو من يعتنق ديناً آخر. فهو عند المسلمين واحد من غير المسلمين الذين لديهم ديانات أخرى. وهو أيضاً بالنظرة المذهبية في الدين الواحد ينتمي لمذهب آخر.</p>
<p>نسوق مثلاً على هذا التعدد لمفهوم الآخر تبعاً لدائرة الانتماء، ما طرحه يوسف القرضاوي في كتابه &#8220;أوليات الحركة الإسلامية&#8221; الصادر عام 1990م. فهو يتحدث عن &#8220;الحركة الإسلامية والأقليات العرقية والدينية وعنها والحوار مع الآخرين&#8221; الذين صنفهم إلى علمانيين، وعقلاء الحكماء، والعقلاء في الغرب، والحوار الديني (الإسلامي المسيحي)، والحوار الفكري (مع المستشرقين) والحوار السياسي مع الغرب. * الأساس النظري للحوار مع الآخر في الإسلام</p>
<p>توفر العقيدة الإسلامية أساساً قوياً للحوار مع الأديان بعامة، وبين بني الإنسان في مختلف الموضوعات، يكون الانطلاق منه إلى مباشرة الحوار. فالإسلام يعتبر أن &#8220;مبدأ الاختلاف بين الناس هو أحد سنن الله في الكون، وهو واقع بمشيئة الله سبحانه&#8221;. ويرتبط بهذا المبدأ &#8220;مبدأ الحق في الاختيار&#8221; فلا إكراه في الدين. والإسلام يقرر أن الله خلق الناس من ذكر وأنثى وجعلهم شعوباً وقبائل &#8220;ليتعارفوا&#8221; ودعاهم إلى التعاون على البر والتقوى. وقد باشر نبي الإسلام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم حواراً مع أتباع الديانتين النصرانية واليهودية. وجاءت &#8220;الصحيفة&#8221; متضمنة أساس التعايش والتعاون، ومشجعة على استمرار الحوار. ومنذ ذلك الحين والحوار متصل بين اتباع الديانات في دائرة الحضارة العربية الإسلامية ينشط أحياناً ويفتر أحياناً.</p>
<p>هذا الأساس العقيدي للحوار هو خير موجه للتفكير فيما ينبغي أن يكون عليه هذا الحوار في بعده الفكري الذي يحدده العقل الإنساني على هدى من الوحي. ونسوق مثلاً التوجه الإسلامي للحوار الإسلامي المسيحي.</p>
<p>برزت فكرة الحوار الإسلامي المسيحي في عالمنا المعاصر مع بداية &#8220;عصرنا&#8221; إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية. وقد تفاعلت في هذا &#8220;العصر&#8221; ثورة &#8220;التقنية&#8221; على صعيد العلم &#8220;وثورة التحرير&#8221; على صعيد السياسة، وما أسرع ما نشبت في دائرة الحضارة الغربية &#8220;حرب باردة&#8221; بين دول غربية تدين بالرأسمالية و&#8221;الليبرالية&#8221; ودول أوروبية شرقية تدين بالماركسية، اصطلح على تسميتها &#8220;الغرب والشرق&#8221;. فكان أن اتجه الفكر السياسي في الغرب الرأسمالي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية إلى طرح فكرة مباشرة &#8220;حوار إسلامي مسيحي&#8221; للبحث في مشكلات عالمية تواجه المسيحيين والمسلمين معاً ودول الغرب ودول العالم الإسلامي التي استقلت، وللوقوف في وجه انتشار &#8220;المَدِّ الماركسي الشيوعي&#8221; الذي تحاول ماديته &#8220;هدم الاعتقاد في القيم الروحية&#8221;- على حد تعبير &#8220;بايارد دودج&#8221; مدير الجامعة الأمريكية في بيروت سابقاً في تقديمه لأعمال &#8220;مؤتمر الثقافة الإسلامية في علاقتها بالعالم المعاصر&#8221; أوائل الخمسينات الذي انعقد في جامعة برنستون وتضمن في طياته &#8220;حواراً إسلامياً مسيحياً&#8221;. * أهداف الحوار مع الآخر من منظور إسلامي</p>
<p>الأهداف العامة للحوار مع الآخر هي الوصول إلى &#8220;كلمة سواء&#8221; في مواجهة &#8220;الطغيان&#8221;، وعمل الصالحات، (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنَّا مسلمون) (آل عمران 64).</p>
<p>أحد الأهداف التي لها أولوية هدف &#8220;التعارف&#8221; الذي يتحقق من خلاله معرفة الآخر على حقيقته وتصحيح الصورة الذهنية عنه الحافلة بركام من الأحكام المسبقة وسوء الفهم ويمكن أن نجمع في مقاربة هذا الهدف بين أسلوب غير مباشر من خلال اللقاء على بحث موضوعات تهم طرفي الحوار، وأسلوب مباشر بالحديث عن الأحكام المسبقة وسوء الفهم.</p>
<p>هدف آخر هو &#8220;التعاون على البر والتقوى&#8221; من خلال النظر في أمور حيوية لطرفي الحوار، بروحية استباق الخيرات بين مؤمنين لكل منهما وجهته. &#8220;الحق من ربك فلا تكونن من الممترين. ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأتي بكم الله جميعاً. إن الله على كل شيء قدير&#8221;. (البقرة 148).</p>
<p>يجب أن ينأى هذا الحوار، وبخاصة الحوار بين الأديان، عن استهداف التوحيد العقائدي. وهذا يعني ألا ينشغل الحوار بمبدأ الاختلاف ومبدأ حرية الاختيار &#8220;لكم دينكم ولي دين&#8221;. وأمر المحاسبة على الاعتقاد والأعمال على السواء هو لله سبحانه.</p>
<p>(إن الذين أمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد) (الحج 1).</p>
<p>هدف رئيسي لهذا الحوار أن يجهر &#8220;بالحق&#8221; في المسائل والأمور التي تهم الناس. وأن يُذكّر بالمبادئ والقيم العلا التي يجب الالتزام بها منهم، ومن السلطان، ولكل من بيدهم مقاليد الأمور. وهذا يتطلب من طرفي الحوار استحضار حقيقة أن الدين يوجه السياسة وليس العكس، والدعوة من ثم إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ومطالبة &#8220;القارونيين&#8221; في عالمنا بما طالب به المؤمنين قاروناً، (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا واحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين). القصص 77). كما يتطلب منهم التذكير بأن (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين) (القصص 83). * موضوعات الحوار</p>
<p>الموضوعات ذات الاهتمام المشترك بين طرفي الحوار الإسلامي والمسيحي كثيرة. ومن المستحسن تصنيفها:</p>
<p>فمنها ما يتعلق بالموقف العقيدي المبدئي من قضايا بعينها، في مقدمتها قضية مقاومة العنصرية والتمييز العنصري، وقضية العدل الاجتماعي، وقضية الحرية والمسؤولية، وقضية السلام القائم على العدل.</p>
<p>ومنها ما يتعلق بالإنسان وأمه الأرض ومحيطنا الحيوي وبيئته.</p>
<p>ومنها ما يتعلق بالإنسان في مجتمعه وقضية الأسرة والزواج والعفة، وموقع المرأة في الأسرة والمجتمع والتكامل بينها وبين الرجل على أسا من المساواة الكامل في إنسانيتها، وقضية التكافل الاجتماعي بمختلف صوره، وقضية التعددية في المجتمع.</p>
<p>ومنها ما يتعلق بالإنسان والسلطان، والشورى والديمقراطية، والمشاركة السياسية.</p>
<p>ومنها ما يتعلق بأخلاق العمل، وبخاصة في المجالات الجديدة التي فتحتها ثورة التقنية.</p>
<p>ومنا ما يتعلق بقراءة التاريخ المشترك بنظرة &#8220;التاريخ الحافز&#8221; وليس بنظرة &#8220;التاريخ العبء&#8221; وإبراز الصورة الإيجابية للتعايش والتعاون. وكذلك ما يتعلق بتشوف المستقبل المشترك. * صيغ الحوار والمعنيون به</p>
<p>الحاجة ماسة إلى استحضار الخريطة التفصيلية لكل من طرفي الحوار، بما فيها من مذاهب وطائف وشيع ومؤسسات؛ واستذكار الصيغ التي اعتمدت في المرحلة السابقة، للوصول إلى اطمئنان لصيغ مناسبة، وتحقيق التنسيق اللازم في أوساط كل طرف لإجراء الحوار الإسلامي المسيحي وإنجاحه. ولا بد أن تستكمل هذه الخريطة بخريطة لحوار الأديان في عالمنا. وسيكون من السهل في ضوء ذلك تحديد المعنيين بالحوار.</p>
<p>لقد تكررت ممارسات الحوار مع الآخر في دائرة الحضارة الإسلامية خلال العقود الستة الماضية وتبلورت من خلالها أفكار تتصل جميعها بالإجابة عن سؤال &#8220;كيف يمكن الوصول إلى فهم موضوعي بين الآخرين والمسلمين؟&#8221; وأحد أمثلة ذلك مؤتمر &#8220;عن الإسلام وأوروبا&#8221; انعقد في 6/1996 الذي أشارت ورقة عمله إلى &#8220;تصويب للأخطاء في الفهم المتبادل، واعتماد مبدأ التسامح والاحترام والقبول المشترك بين الجانبين. وتقويم دور وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية في تشكيل الرأي العام مع دراسة مصادر معلومات كل جانب عن الجانب الآخر، والعمل على إبراز الهام للمناهج التعليمية في الوصول إلى إبراز الصورة الحقيقية للجانب لآخر. والبحث في أفضل السبل التي يمكن أن يعتمدها كل جانب لتقدير الإسهامات الحضارية لكل طرفٍ في بناء الحضارة العالمية&#8221;. * أفكار</p>
<p>الفكرة الأولى هي أن البحث في هذا الموضوع لا يبدأ من فراغ ولا ننطلق فيه من نقطة الصفر. فما هذا المؤتمر إلا حلقة في سلسلة مؤتمرات وندوات ولقاءات تناولت الموضوع. وجميعها يقع في إطار ظاهرة &#8220;الحوار&#8221;. حوار بين أديان وعقائد وأقاليم ودول وجماعات.</p>
<p>لقد برز من بين هذه &#8220;الحوارات&#8221; &#8220;الحوار الإسلامي المسيحي&#8221; الذي أسهمت فيه مؤسسات كثيرة أوروبية وعربية وإسلامية من بينها مؤسسة آل البيت &#8220;المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية&#8221; في الأردن التي قام رئيسها بعمل حصر للقاءات الحوار ودراسة ما صدر عنها حين باشرت نشاطاً على هذا الصعيد مع &#8220;الفاتيكان&#8221; والمركز الأرثوذكسي بسويسرا وحوار أديان في بريطانيا. وقد لفت النظر قيام مؤسسة اليونسكو مؤخراً بالاهتمام بالحوار الديني ودعوتها لمؤتمر &#8220;الدين من أجل ثقافة سلام&#8221; الذي انعقد ببرشلونة عامي 1994 و1995 وأصدر تصريحاً بهذا الشأن.</p>
<p>كما برز &#8220;الحوار العربي الأوروبي&#8221; بين الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية الذي بدأ على الصعيد الرسمي عام 1975، واختصت إحدى لجانه العاملة بموضوع &#8220;الثقافة والعمل والأوضاع الاجتماعية&#8221;. وقد أولت هذه اللجنة عناية خاصة لبحث كيفية الوصول إلى فهم موضوعي بين الحضارتين الغربية والعربية الإسلامية، ولأوضاع العمال المهاجرين في أوروبا، ولتعارف شباب المنطقتين، وتوصلت إلى أمور محددة بشأنها شرحها كاتب هذه السطور في كتابة &#8220;الحوار العربي الأوروبي&#8221;.</p>
<p>مَثَل أخير ثالث للحوار الذي دار في مؤتمر &#8220;الإسلام في أوروبا&#8221; الذي تناول تحديداً &#8220;العلاقة بين الثقافات الأوربية والإسلامية، ووضع المسلمين في أوروبا&#8221;، وانعقد باستكهولم في منتصف شهر حزيران ـ يونيو عام 1995. ويكشف التقرير الموجز عن أعماله عن مدى غنى ما تم طرحه فيه، وهو يشير إلى كتاب وافٍ يتضمن أعماله صدر آخر عام 1995. وقد قامت مؤسسة الحوار الدولي بالهيج في هولندا&#8221;. &#8220;I.D.F&#8221; بعقد عدة حوارات من هذا النوع تناولت أوضاع المهاجرين المسلمين وموضوع المرأة في الحضارتين، وأصدرت كتباً ونشرات عن الأعمال التي جرت فيها.</p>
<p>ما نرمي إليه من عرض هذه الفكرة هو أن نؤكد الدعوة إلى ضرورة الإفادة من نتائج أعمال هذه الحوارات، من خلال القيام بحصر لها، واستخلاص ما توصلت إليه من أفكار، والنظر فيما تم تطبيقه من هذه الأفكار، والبحث في تحديد آلية للتنفيذ، ودراسة إمكانية التنسيق بين المؤسسات العاملة في هذه المجالات، وإيجاد هيئة للتنسيق والمتابعة.</p>
<p>الفكرة الثانية هي أن المناخ السائد المحيط ببحث هذا الموضوع يتصف بالتقلب ويغلب ليه تعكر الأجواء بفعل &#8220;إعلام الأزمات&#8221; الذي يثير المخاوف ويغذي التعصب ولا يقدم المعلومة بأمانة، وبفعل &#8220;مناهج تعليمية&#8221; واقعة في أسر &#8220;التاريخ العبء&#8221; متجاهلة &#8220;التاريخ الحافز&#8221;، وبفعل سياسات قصير النظر إزاء موضوع الهجرة والتعامل مع المهاجرين تنجم عنها تداعيات سلبية. وتأتي أحداث معينة تصيب العالم الإسلامي تصدر بشأنها مواقف أوروبية رسمية تسهم في كثير من الأحيان في مزيد من تعكير الأجواء، والمثل الأوضح على ذلك تلك الأحداث المتعلقة بالصراع العربي الصهيوني ومن آخرها العدوان الإسرائيلي على لبنان والحصار الإسرائيلي المستمر لمناطق الحكم الذاتي في الضفة والقطاع. وفظائع الإرهاب الصهيوني هناك وجرائمه في جنين ونابلس والخليل وبيت لحم وغزة.</p>
<p>لقد نجحت الحوارات التي جرت بين &#8220;خاصةٍ&#8221; في المنطقتين في التخفيف من تعكر الأجواء، وأسهمت ولو بالقليل في تحسين المناخ في أوساط هذه &#8220;الخاصة&#8221;، وأشاعت بما ينشر عنها من أخبار أملاً في تصفية الأجواء في أوساط &#8220;العامة&#8221;، وحققت ـ وهذا أمر بالغ الأهميةـ تعارفاً بين شخوص فاعلة في المنطقتين أوصل إلى الفهم الموضوعي لديهم، وبلورت ـ وهذا أيضا بالغ الأهمية ـ فاعلة في المنطقتين أوصل إلى الفهم الموضوعي لديهم، وبلورت ـ وهذا أيضا بالغ الأهمية ـ فكرة أن تعاون الحضارات عامة والحضارتين الغربية والعربية الإسلامية بخاصة هو عبرة تاريخ طويل وضرورة مستقبل.</p>
<p>يبقى إذاً أن تنجح هذه &#8220;الخاصة&#8221; في أن تكون &#8220;طليعة&#8221; لتعاون منظم بينها تستهدف تحقيق تعاون أوسع واحترام متبادل والإسهام في صياغة سياسات أفضل. وهذا يقتضي أن يستمر التواصل بين أفرادها والتشاور، وأن يتم التوافق على السبل والصيغ المناسبة لتحقيق ذلك. وهو ما نرمي إليه من عرض هذه الفكرة.</p>
<p>الفكرة الثالثة وهي أن النجاح في تحقيق هدف الحوار يقتضي من العاملين له إدراكاً لطبيعة كل من لطرفين من خلال استحضار حقائق تتعلق بهما معاً وبكل منهما منفرداً.</p>
<p>الفكرة الرابعة هي أن النجاح في بلوغ أهداف الحوار يقتضي الالتفات إلى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وإيلاء عناية خاصة لتفهم هذه الأوضاع ومعالجتها.</p>
<p>* وبعد..</p>
<p>فإن الحرب التي نعيشها بأحداثها العسكرية وأحداثها السياسية، وما يقترن بها من استهداف قوى الهيمنة الأمريكية والصهيونية العنصرية للإسلام ديناً وحضارة وللمسلمين عامة بحملة شعواء عنوانها الإرهاب الإسلامي يمثل تحدياً ويوجد مناخاً ثقيلاً يحاصر الحوار، ويسبب ردود أفعال حادة تنادي بالصراع والقطيعة، ولكن جوهر الإسلام ديناً وطبيعة الحضارة الإسلامية تحث على استجابة صحيحة لهذا التحدي بالتمسك بالحوار والدعوة إلى سبيل الله إعلاءً لكلمة الحق بالحكمة والموعظة الحسنة ومواجهة عدوان المعتدين بالمقاومة. وواضح أن هذه المقاومة للعدوان وللعولمة المتوحشة في دائرتنا الحضارية وفي جبهة فلسطين بخاصة، جعلت كثيرين في عالمنا مهيئين للتعارف والفهم، ومن ثم للتعاون على البر والتقوى.</p>
<p>إن الإسهام في صنع هذه الاستجابة الصحيحة مسؤولية فردية وجماعية لكل أبناء حضارتنا. وعليهم النهوض. بها في مختلف دوائر انتمائهم تعزيزاً للوحدة الوطنية في الدائرة القطرية الوطنية وتحقيقاً للتعاون في الدائرة الحضارية ونهوضاً بالحوار مع الدوائر الحضارية الأخرى أساساً لتفاعل إيجابي يوصل إلى إقامة نظام عالمي قويم واستتباب سلام قائم على العدل.</p>
</div>
<p><span style="font-size: small;"> </span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://7oreya.com/Articles/2011/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d8%ae%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>الواقع الثقافي في عالمنا ودور المسلمين في تطويره</title>
		<link>http://7oreya.com/Articles/2011/%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%a7%d9%82%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%a7-%d9%88%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d9%8a/</link>
		<comments>http://7oreya.com/Articles/2011/%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%a7%d9%82%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%a7-%d9%88%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d9%8a/#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 13 May 2011 22:04:28 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[wiszaq]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[Articles]]></category>
		<category><![CDATA[أحمد صدقي الدجاني]]></category>
		<category><![CDATA[مقالات فكرية]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://7oreya.com/Articles/?p=140</guid>
		<description><![CDATA[بقلم المرحوم أ. د. أحمد صدقي الدجاني أوّل ما يلفت نظرنا في هذا الواقع الثقافي، هو تعدد الثقافات فيه وتنوعها وإدراك إنسان العصر، أينما كان، وفي أي دائرة حضارية يعيش، لهذه الحقيقة، وذلك بفعل ثورة الاتصال التي عرفته بالصورة والصوت من خلال التلفزة ووجهاً لوجه من خلال السياحة، بهذا التعدد والتنوع، بدرجة لم يعرفها إنسان &#8230; </p><p><a class="more-link block-button" href="http://7oreya.com/Articles/2011/%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%a7%d9%82%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%a7-%d9%88%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d9%8a/">Continue reading &#187;</a>]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-size: small;"> </span></p>
<p><span style="font-size: small;"> </span></p>
<p style="text-align: left;"><strong>بقلم المرحوم أ. د. أحمد صدقي الدجاني</strong></p>
<div dir="rtl"><img class="alignright" title="أحمد صدقي الدجاني" src="http://www.odabasham.net/images/adab-d3234.gif" alt="" width="196" height="247" />أوّل ما يلفت نظرنا في هذا الواقع الثقافي، هو تعدد الثقافات فيه وتنوعها وإدراك إنسان العصر، أينما كان، وفي أي دائرة حضارية يعيش، لهذه الحقيقة، وذلك بفعل ثورة الاتصال التي عرفته بالصورة والصوت من خلال التلفزة ووجهاً لوجه من خلال السياحة، بهذا التعدد والتنوع، بدرجة لم يعرفها إنسان العصور السابقة.<br />
حقيقة ثانية تلفت نظرنا في هذا الواقع، هي أنه يشهد تغيرات ومحاولات تغيير وتطورات ومحاولات تطوير في كل دوائر العالم الحضارية، وهذه التغيرات والتطورات وثيقة الصلة بالسياسة، والاقتصاد، والاجتماع، وتبادل التأثير معها.<br />
حقيقية ثالثة، <span id="more-140"></span>هي أن الوعي بالعامل الثقافي في الاجتماع الإنساني، هو اليوم قوي يدعو إلى أخذه في الاعتبار عند معالجة مختلف قضايا عالمنا ومشكلاته، وهذا عند ألين تورين(AlainTouraine) &#8211; عالم الاجتماع في مقاله &#8220;التحولات الاجتماعية في القرن العشرين&#8221; بالمجلة الدولية للعلوم الاجتماعية (يونيو 1998م) &#8211; هو الاختلاف الجوهري بين نهاية القرن التاسع عشر، شديد الانشغال بالعامل الاقتصادي والعامل العقيدي (الأيديولوجي)، وقد فشلت محاولات القفز فوق هذا العامل الثقافي التي قام بها بعض مخططي السياسة الخارجية الأمريكيين في الثمانينيات، كما أوضح ميشيل فلابوس (Michel Flapos) في بحثه &#8220;الثقافة والسياسة الخارجية&#8221; الذي نشره في مجلة السياسة الخارجية (Foreign Policy) في ربيع 1991 م، وقرر فيه أن الحقيقة الكبرى بالنسبة للقبائل العالمية، هي منطقتها الثقافية وليس القرية العالمية، ملاحظاً أن العالم الكبير نفسه هو سلسلة من المناطق الثقافية يخفق كل منها بنبض مئات الملايين، وانتهى فلابوس في بحثه إلى أن الإحساس بالنفس عند الشعوب يتشكل على مستوى المنطقة الثقافية، وليس على مستوى القومية أو الأممية.<br />
وهذا الوعي بأثر العامل الثقافي ينطلق، كما أوضح كاتب هذه الدراسة في كتابه &#8220;عمران لا طغيان&#8221; من حقيقة الانتماء لدائرة عمران حضاري فهذا الانتماء الذي يتمثل مشاعر القوم ويستند إلى رؤى العقيدة، يورث الإحساس بالنفس ووعي الذات والشعور بالهوية.<br />
حقيقة رابعة، هي أن هناك تفاعلاً جارياً بين الثقافات على صعيد المجتمع داخل الدولة الواحدة، وعلى صعيد المجتمعات بين الدول وهذا التفاعل الثقافي يقع في إطار التفاعل الحضاري بين الحضارات التي تضم كل واحدة منها عدداً من الثقافات، ويشهد هذا التفاعل صوراً من الحوار الإيجابي الذي يثمر تعاوناً، كما يشهد أحياناً صراعاً، ولقد شهد عالمنا خلال العقد الاخير من السنين، محاولة لجعل صراع الحضارات هو الأصل، وقام بالترويج لهذه الفكرة مراكز بحث أمريكية، وظهرت ردود أفعال واستجابات قوية لهذه المحاولة في مختلف الدوائر الحضارية، شهدت التأكيد على أن هدف التعاون بين الحضارات لمعالجة قضايا عالمنا ومشكلاته هو الأصل، ومن بين أمثلة كثيرة على هذه الاستجابات: المؤتمر الدولي الذي دعت إليه منظمة تضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية والذي انعقد في القاهرة بين 10 و12 مارس 1997 م، بمشاركة مفكرين وسياسيين من مختلف أنحاء العالم، ناقشوا تساؤلاً مطروحاً هو &#8220;صراع الحضارات أم حوار الثقافات؟&#8221; وظهرت أعماله في كتاب قيم.<br />
حقيقة خامسة، هي أن مختلف الحضارات الموجودة في عالمنا اليوم، تتبادل التأثر والتأثير فيما بينها بدرجات متفاوتة، وتقف واحدة منها هي الحضارة الغربية بثقافاتها، في أعلى سلم التأثير، وتحتل مكانة خاصة لما حققته في القرون الخمسة الأخيرة على صعيد العلم، وبفعل ما حدث من خروج أوروبي إلى القارات الأخرى وقيام دول أوروبية بالاستعمار بمختلف أشكاله في أوطان شعوب أخرى وتبرز اليوم في الدائرة الحضارية الغربية، محاولات قوى الهيمنة في الولايات المتحدة الأمريكية، للتحكم في النظام العالمي والانفراد بقيادته رافعة شعار &#8220;النظام العالمي الجديد&#8221;، والسيطرة على الأسواق العالمية من خلال فرض &#8220;عولمة &#8221; خططت لها الشركات الكبرى عابرة القارات، وقد أصبحت هذه العولمة ظاهرة لها أبعاد أخرى سياسية وفكرية وثقافية، وصار لها ثقافة تعرف بها هي &#8220;ثقافة العولمة&#8221; تحاول فرض أنماط تفكير وأساليب حياة &#8220;المجتمع الأمريكي&#8221; على المجتمعات الأخرى.<br />
حقيقة سادسة، هي أنّ البُعد الروحي في مختلف الثقافات، يبدو جلياً، من خلال قوة تأثير القيم الروحية وهناك اليوم في الدوائر الحضارية، ظاهرة &#8220;إحياء روحي&#8221; يستلهم &#8220;المقدس&#8221; وهكذا يبرز دور الدين في الثقافة، وقد تناول كاتب هذا الحديث هذه الظاهرة في كتابه &#8220;تجديد استجابة لتحديات العصر&#8221; الذي خصص الباب الثالث فيه للفكر الديني، وكان مما أشار إليه قيام اليونسكو بتنظيم سلسلة ندوات عن &#8220;إسهام الاديان في ثقافة السلام&#8221;.<br />
&#8211; دائرتان حضاريتان:<br />
تشهد أوساط المسيحيين والمسلمين صوراً من هذا الإحياء الديني نراها في الدائرتين الحضارتين اللتين يعيش معظمهم فيهما، وهما دائرة الحضارة الغربية، ودائرة الحضارة الإسلامية، فأما الأولى، فقد كانت المسيحية أحد مكوناتها، ويعيش فيها مسيحيون كثيرون من الكاثوليك والارثوذكس والبروتستانت، وضمت منذ القديم عدداً من المسلمين تزايدت أعدادهم في نصف القرن الأخير، ويلاحظ إنجمار كارلسون (Ingmar Carlson) مدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية السويدية، في معرض رده على مقولة صموئيل هنتغتون حول صراع الحضارات: &#8220;انّ الثقافة الإسلامية ليست غريبة عن الغرب، حيث استمر الوجود الإسلامي في أوروبا طويلاً، وأدى إلى تكامل فريد بين الرسالات الثلاث، وإلى ازدهار لم يسبق له مثيل للعلم والفلسفة، واليوم يوجد في أوروبا حسب تقديره، أكثر من عشرة ملايين مسلم قد يصل عددهم في حدود عام 2020م إلى ما بين 25 و60 مليوناً، بحيث لم يعد في الإمكان تصور الاتحاد الاوروبي دون مكون إسلامي له&#8221; وقد استوقف هذا القول ماهر الشريف في بحثه &#8220;أطروحتا نهاية التاريخ وصدام الحضارات&#8221; الذي قدّمه إلى مؤتمر &#8220;صراع الحضارات أم حوار الثقافات&#8221;.<br />
وأمّا الدائرة الأخرى، فقد استلهمت رسالة الإسلام، وهي تضم مسلمين كثيرين من مختلف المذاهب، وقد شارك في ازدهارها مسيحيون يعيشون فيها ويهود أيضاً وأتباع ملل أخرى، وهؤلاء جميعاً ينتمون إليها، الأمر الذي جعل للإسلام في مصطلح الحضارة الإسلامية، مدلولاً حضارياً، فضلاً عن مدلول سلسلة الرسالات التي جاء بها الأنبياء (إنّ الدين عند الله الإسلام) (آل عمران/ 19)، ومدلول الرسالة الخاتمة التي نزل بها الوحي على محمد بن عبد الله (ص).<br />
&#8211; الواقع الثقافي في الحضارتين الغربية والإسلامية:<br />
حين يكون الحديث عن دور مشترك للمسيحين والمسلمين يقومون به لمعالجة قضايا عالمنا، فإن من الضروري، بعد أن تعرفنا على حقائق الواقع الثقافي في عالمنا، أن نركز النظر على هذا الواقع الثقافي في هاتين الدائرتين الحضارتين، بغية الوقوف على المناخ المحيط به، ذلك لأن لهذا المناخ تأثيره على أداء الدور.<br />
لقد صدرت دراسات كثيرة حول الواقع الثقافي في الغرب، فصلت الحديث عن مرحلة &#8220;ما بعد الحداثة&#8221; وهناك انطباع قوي لدى المختصين، بأن إحساساً بعدم اليقين يشيع في الأوساط الفكرية والثقافية، فعدد المثقفين والمفكرين الذين يتخوفون من شبح الخواء الفكري وتراجع الروح النقدية في الفكر الغربي &#8211; على اختلاف منطلقاتهم ومرجعياتهم – في تزايد وهؤلاء يعارضون الرأي القائل بـ&#8221;نهاية التاريخ&#8221; وان النموذج الاقتصادي والسياسي لليبرالية الغربية، وهو سقف التطلع الإنساني، كما أوضح ماهر الشريف في بحثه الذي سبقت الإشارة إليه، ولقد سبق لكاتب هذه الدراسة أن نظر في كيفية رؤية الأوروبيين أنفسهم في هذه المرحلة، معتمداً على أعمال ندوة هامبورغ حول العلاقة بين الحضارتين الغربية والعربية، ولاحظ فيه &#8220;أن كثيرين من الغربيين غير راضين عن الحالة الحاضرة التي عليها الحضارة في أوربا الغربية، وهم يعانون من مرورهم بفترة عصيبة تتصف بفقدان الحيوية الاقتصادية، ويحنقون على خضوع أوربا السياسي والعسكري للولايات المتحدة، ويشعرون بالغيظ لعجزهم عن مجاراة حيوية اليابان في الميدان الاقتصادي، وقد أصبح اقتناعهم بما كانوا يعتبرونه رسالتهم ضعيفاً وتعمق الشك لديهم فيما اعتبروه حقاً لهم من قبل&#8221; ويتداخل هذا الشك مع النقاش حول قيمة التقدُّم التقني، ويقول هؤلاء إن واقع الأمر في أوروبا الغربية يعطي انطباعاً بأن الأوروبيين يبتعدون عن ذواتهم، ويبدو هذا حتى في الفن الذي ينتجونه إذ يتضاءل فيه الطابع الأوروبي، وهم يلاحظون أن الخروج الأوروبي في عصر الاستعمار لغزو أوطان الآخرين لا يمكن تفسيره من منظور اقتصادي أو سلطوي فقط، وإنما في المقام الأول من منظور الوعي العميق بنشر &#8220;رسالة صاغتها عقيدة دينية وفلسفة دنيوية&#8221;، استمدوا منها مشروعية &#8220;تصرفاتهم الفاتكة والوحشية&#8221; مع الآخرين، كما أوضح إدوارد مورتيمر وجونتر ديهل في بحثيهما لندوة هامبورغ، ومجمل القول إن لسان حال هؤلاء الأوربيين الغربيين يقول: &#8220;نحن ننظر إلى وضعنا الحضاري الراهن بكثير من الريبة والشك&#8221; وتأتي تصريحات أسقف كانتربري وقت كتابة هذه الدراسة في أغسطس 1999م، حول عدد من القضايا العصرية لتقدم مثالاً على ذلك.<br />
إنّ الواقع الثقافي في الغرب اليوم يدعو إلى التفكر في ظواهر لافتة أوجزها ألين تورين في بحثه &#8220;التحولات الاجتماعية في القرن العشرين&#8221; بالمجلة الدولية للعلوم الاجتماعية، يونيو 1998 م، في ثلاث، هي: أن المؤسسات من كل الأنماط تتصدع، وانتصار ما يمكن تسميته &#8220;الفردانية&#8221; أو &#8220;النزعة الفردية&#8221; وقيام عالم بلا مؤسسات ذي نظرة تجمع بين العالمية والفردية في تزامن وتماكن، وقد أوضح تورين ان جميع هذه الخطوط ذات صلة بالتغيرات الثقافية وليس بالتغيرات الاجتماعية، وأن المشكلات اليوم هي تحطيم الروابط المؤسساتية والاجتماعية والثقافية وتحرير الفردية والمتعة والسعادة، مع انبثاق صراعات على المستويين العالمي والقومي.<br />
في ظل هذا المناخ الثقافي تبرز &#8220;المغالاة&#8221; في أشكال كثيرة على مختلف الصعد ونحن نرى اليوم أمثلة على هذه المغالاة في الحياة الاجتماعية على صعيد الأسرة والتعامل مع الأجيال، أطفالاً وشباباً وشيوخاً، والأمر نفسه في الحياة الثقافية في عصر العولمة، ومع المغالاة يكون &#8220;التطرُّف&#8221;، ومن مظاهره &#8220;عنف&#8221; يطبع التصرفات، وتشتد الحاجة إلى سكينة النفس والعودة إلى التوازن والشواهد على ذلك كثيرة في مختلف الأقطار، وفي الولايات المتحدة الأمريكية بخاصة، حيث تفعل الثقافة السينمائية والتلفزية في انتشار العنف والشهرة.<br />
يستدعي هذا الواقع الثقافي إلى الخاطر ما شهده القرن العشرون من أحداث تفاعلت في تكوينها أحوال مادية مع أفكار، وعانى العالم ودائرة الحضارة الغربية بخاصة، من حربين عالميتين، ثم من سلسلة حروب إقليمية، وحدثت ثورتا التقنية والتحرير، وظهرت آثار عصر الحداثة التي عزاها فرانسوا ليوتار(Francois Leotard) إلى التقدم في العلوم، وهكذا نجد هذا الواقع الثقافي في الغرب يشهد حوارات ساخنة حول مشكلات عالمنا والتحديات التي تواجهنا، يكون لها صداها في دوائر الحضارات الأخرى التي تشهد هي الأخرى هذه الحوارات.<br />
حين نتأمل الواقع الثقافي في دائرة الحضارة الإسلامية، يلفت نظرنا وجود &#8220;حيوية&#8221; فيه، ومحاولات فكرية لمعالجة المشكلات، وحالة إحياء روحي، ونلاحظ أن المناخ السائد متقلب أحياناً، وأن الحيوية المفعمة بالحماسة والأمل والتوق إلى الإنجاز والعمل، تقترن بمشاعر إحباط ولايزال التدافع قوياً بين تياري الانكماش والانغماس، يحتدم فيه الصراع أحياناً في نطاق التفاعل مع الحضارة الغربية.<br />
كما لايزال تيار الاستجابة الفاعل يحاول بلورة رؤيته لإسهام حضارته في العمران العالمي، وذلك بعد أن فشلت محاولات &#8220;التحديث&#8221; التي شارك فيها الانغماسيون قوى الهيمنة الاستعمارية التي تسلطت على ديار الإسلام. وتؤكد ظاهرة الإحياء في هذه الدائرة، على ضرورة اقتران العقل بالضمير في الإنسان، ومن ثم على الأخلاق، ويرتفع فيها نداء العمل لمعالجة المشكلات العالمية برؤية مؤمنة، ويبرز فيها العامل الثقافي الحضاري الذي &#8220;يصاحب دوماً أوقات التوتر والتغير والتحول، باعتباره يدعو إلى استمرار النضال في مواجهة عمليات الاقتحام&#8221;، كما يلاحظ أنور عبد الملك في بحثه &#8220;الوجه الحضارية في صنع العالم الجديد&#8221;.<br />
&#8211; مشكلات لها بُعدها الثقافي:<br />
واضح أن الواقع الثقافي في هاتين الدائرتين الحضاريتين ـ الغربية والإسلامية ـ كليهما، يشهد انشغالاً بالمشكلات التي تواجه عالمنا وتحديات العصر. وهي جميعاً عالمية الطابع، وإن كانت درجة إلحاح كل منهما، تختلف بين دائرة وأخرى، شأن حجم المشكلة وقوى التحدي.<br />
لقد تناولت تقارير دولية ودراسات كثيرة بالحديث هذه المشكلات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والفلسفية والسياسية، وأشارت إلى المديونية والعجز التجاري، وانخفاض المدخرات والاستثمار، وانعدام المنافسة الصناعية على الصعيد الاقتصادي، وإلى عدم كفاية الرعاية الصحية، وضعف جودة التعليم، وتدهور البيئة الاجتماعية الأساس، والتدهور الحضري الواسع، وبروز شرائح غنية جشعة وتفاقم فقر الكثيرين ومرض الادعاء القضائي، وتفاقم مشكلة العنصرية، وانتشار الجريمة والعنف، وضعف الأسرة على الصعيد الاجتماعي، والإباحية المفرطة المثيرة للشهوة، وترويج الفساد الخلقي عبر التلفزة، وتدهور الوعي المدني، وظهور ثقافات تكمن فيها الفرقة على الصعيد الثقافي، وظهور دائرة مغلقة في النظام السياسي، وشيوع إحساس عام متزايد بالفراغ الفكري على الصعيد الفكري الفلسفي.<br />
وممن درس هذه المشكلات في أمريكا مستشار الأمن القومي السابق زبجنيو بريزنسكي (Zbigniew Brezinsky) في كتابه &#8220;الانفلات: الغليان العالمي على مشارف القرن الحادي والعشرين&#8221; (Out of Control ; Global Turmoil on the Eve of the21 st Century) وتتبع كيف تفعل هذه المشكلات فعلها في دولة تحتل موقعاً قيادياً في النطاق العالمي السائد الذي تلح قضية إصلاحه على كثير من المفكرين. كما قال كاتب هذه الدراسة في كتابه &#8220;تجديد الفكر استجابة لتحديات العصر&#8221;. الحق أن المجلات العلمية المختصة في هذه المجالات جميعها، تتضمن الكثير في وصف هذه المشكلات والتحديات وتعليل أسبابها واقتراح أفكار لمعالجتها والاستجابة لها.<br />
ونشير إلى أمثلة وقف أمامها كاتب هذه الدراسة بمناسبة عكوفه عليها، فهذه المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية خصصت عددها رقم 126، الصادر في نوفمبر 1990 م، للتغيرات في أنماط الأسرة بفعل الهندسة الوراثية والعوامل السكانية والسياسات الأسرية والقيم. ولا يتسع المجال لأكثر من هذه الإشارة. وهذه مجلة رسالة اليونسكو في عدد مارس 1999م، تعرض لمشكلة الفقر وتشرح مقاييسه وتتناوله في ملف بعنوان: (صفقة جديدة للفقراء). وكانت المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية قد خصصت عددا لتغيير الأماكن الحضرية في عالمنا وما نجم عن ذلك من تفكك أوصال المدن وتغيير المفاهيم التي تحدد معنى الحضر، وآثار ذلك على الأسرة، وقد عقدت محافل علمية في دائرة الحضارة الإسلامية، عدداً من المؤتمرات والندوات لمعالجة هذه المشكلات والتحديات، من أمثلتها تلك التي نظمها المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية (مؤسسة آل البيت) بالأردن، وأكاديمية المملكة المغربية، وبدا واضحاً أهمية البعد الثقافي في هذه المؤتمرات والندوات.<br />
إن المتأمل في هذه المشكلات يلاحظ أنها ناجمة عن قصور في الرؤية الكونية للعالم وللإنسانية، ينجم عنه فصل العقل عن الضمير، والسلام عن العدل، والضرورات عن الأشواق، فتختل التصرفات ويحدث الطغيان.. طغيان الإنسان على أمّه الأرض، وطغيان الإنسان على أخيه الإنسان، وطغيان الإنسان على نفسه، ومن هنا تأتي أهمية توافر الرؤية الكونية السليمة.<br />
وفي ضوء ما سبق، نستطيع، ونحن نسعى معاً، مسيحيين ومسلمين، لتطوير عالمنا إيجابياً، أن نتصور دور المسلمين في التطور الثقافي، انطلاقاً من إيمانهم بدينهم الإسلام الذي يزودهم برؤية كونية مؤمنة بالله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، الذي أحسن كل شيء خلقه، وخلق الإنسان من طين وعلمه البيان.<br />
&#8211; تصور لدور المسلمين في التطوير الثقافي:<br />
يتضمن دور المسلمين في التطور الثقافي في عالمنا، العناية بالفرد الإنسان ذكراً وأنثى، وتزويده برؤية كونية مؤمنة تمكنه من تغيير النفس &#8220;الأمارة بالسوء&#8221;، لتغدو &#8220;لوّامة&#8221;، &#8220;فمطمئنة&#8221;، في &#8220;ارتقاء&#8221; بالذات، وذلك بالتزام قيم الدين. وحين نقف أمام مفهوم &#8220;القيمة&#8221; في الدين، نجد أنه &#8220;يبرز ما للتعاليم والوحي السماوي من شأن في الحكم على قيم الأشياء والأعمال، فتكبر بشعور ما يترتب عليها من ثواب. وخطاب الله هو الفيصل في الحكم على الحسن والقبيح هو ما خالف الشرع ويترتب عليه العقاب في الآخرة. فأعمال الدنيا مقومة حسب نتيجتها في الآخرة من حيث ما تحصله للإنسان من حسن الأفعال أو قبحها&#8221;، كما أورد د. إبراهيم مدكور في معجم المصطلحات الاجتماعية، وإن أهم ما في القيم الروحية التي جاءت بها التعاليم السماوية، أن مصدرها وحي إلهي، وأنها تعتمد على الأرض وما بعد الحياة.<br />
ومن هنا تأتي قوة تأثيرها في دائرتي الفرد والمجتمع على السواء فهي في المجتمع تحكم العلاقات بين الأفراد وتوجهها، وهي في الفرد، تحيي ضميره وتصل بينه وبين خالقه علاقة خاصة يعبد فيه الله كأنه يراه، &#8220;فإن لم تكن تراه ـ أيها الإنسان ـ فإنه يراك&#8221;، وهذا هو معنى الإحسان كما جاء في الحديث الشريف. وباتباع هذا السبيل تكون مواجهة خطر طغيان الإنسان على نفسه الناجم عن اتباعه الهوى، و&#8221;دس&#8221; النفس والبغي بغير حق، فينهى الإنسان نفسه عن الهوى، ويزكي نفسه ويلتزم الحق. ويستشعر من ثم معنى تكريم الله الذي خلقه، له ولبني آدم. وقد توقف آرنولد توينبي (Toynbee) في كتابه &#8220;الإنسان وأمه الأرض&#8221; (Mankind and Mother Earth) أمام حقيقة أن الإنسان مخلوق واع، ولاحظ أن الضمير مستقر في أعماقه، وأن ثورة الضمير البشري ضد الشر دليل على أن الإنسان قادر على أن يكون خيراً، وإذا كان هناك شر موجود في المحيط الحيوي، فإن فيه أيضاً ضميراً يدين ما هو شر ويكرهه. وواضح أن الأرض وهداه النجدين وسخر له ما شاء من إبداع خلقه. فهو حامل أمانة مكرم، وأن لنا أن نثق بقدرته الخلاقة حين يؤمن ويعمل الصالحات على التطور المطرد في معراج المثل الأعلى، على حد قول محمد إقبال.<br />
إنّ القيام بهذا الدور على صعيد الفرد الإنسان والنجاح فيه، كفيل بتغيير المناخ النفسي الذي يغلب فيه الإحباط واليأس والتشاؤم اليائس من الجنس البشري، إلى التفاؤل الفاعل والثقة بانتصار الخير وبالقدرة على التغيير لما هو أحسن.<br />
يركز دور المسلمين في التطوير الثقافي في عالمنا على العناية بالإنسان في الاجتماع الإنساني، وعلاقته بأخيه الإنسان، ومكانه في المجتمع، وما عليه من واجبات وما له من حقوق. وهو يؤكد على مبدأ المساواة بين البشر في إنسانيتهم، فالله خلقهم من نفس واحدة وخلق منها زوجها، فكانا ذكراً وأنثى بعضاً من بعض، وكلهم سواسية كأسنان المشط والله سبحانه، شاء لحكمة أن تختلف ألسنتهم وألوانهم، واحدة من آياته، وأن تتعدد أقوالهم ومللهم، ومن ثم ثقافتهم. وفي ذلك تنوع رائع يغني الحياة الإنسانية على هذا الكوكب الأرضي. وهكذا فلا مكان للعنصرية ولا فضل للون على آخر، ولا لقوم على قوم. وباطل كل ما يقال غير ذلك، ولو زعم أنه يستند إلى العلم، كما يدعي الآن بعض العاملين في الهندسة الوراثية الذين يستغلون اسم العلم لتعميم أفكارهم العنصرية. ولا مكان لزعم الانفراد الحضاري، تدعيه حضارة واحدة ترى كل من سواها &#8220;برابرة&#8221;، لأن تعدد الثقافات حقيقة، ومثله تعدد الحضارات.<br />
إنّ القيام بهذا الدور على صعيد الاجتماع الإنساني والنجاح فيه، كفيل بمواجهة شطط &#8220;العولمة&#8221; وتجاوزاتها في محاولة فرض نموذج ثقافي بعينه، خدمة لأغراض اقتصادية، ومحاصرتها &#8220;بالعالمية&#8221; التي تعتمد تعارف الثقافات والحضارات وحوارها وتفاعلها الإيجابي دونما فرض قسري. &#8220;فليس هناك بلد في العالم ـ ولا قارة ـ يمكنه الادعاء بأنه نموذج يتعين على باقي الكوكب الأرضي أن يحذو حذوه، وإلا تعرض للافتقار أو الزوال&#8221;، كما أوضح ألين تورين في مقاله &#8220;الحداثة والخصوية الثقافية&#8221; بالمجلة الدولية للعلوم الاجتماعية، نوفمبر 1988م. وإن محاولة أمركة الثقافة وفرض سياسة الحماية الثقافية &#8220;بالعولمة&#8221;، تواجه معارضة قوية، كما أوضح جريجوري كلايز في مجلة ديوجين، الصادرة عن اليونسكو، العدد 80، عدد إبريل 1988م، في معرض حديثه عن هذه المحاولة في أوروبا وبقية العالم. وهو يصفها بأنها &#8220;فصل في مسرحية طويلة ومستمرة تحاول فيه الثقافة الأمريكية الفتية والعدوانية أن تضرب الثقافة العريقة في أوروبا وتمحو الثقافات الأخرى في العالم&#8221;. وقد أوضح إس.سي.ديوب (S.C. Dube) من الهند، في حديثه عن الأبعاد الثقافية للتنمية بالمجلة الدولية للعلوم الاجتماعية، نوفمبر 1988م &#8220;أن ثمة افتراضاً خاطئاً يتمثل في اصطناع تناقض بين التقاليد والحداثة&#8221;، وبيّن أن أحدهما لا ينفي الآخر، ولاحظ تزايد الوعي الذاتي بالثقافة والإصرار العنيد عليها، معللاً ذلك بأنه حرص على الذاتية الثقافية وخوف من ضمورها واختفائها. وانتهى إلى القول ان الذاتيات الثقافية لن تندثر، فلا جدوى من محاولة طمسها. وهذا كله يؤكد إمكان النجاح في هذا الدور على صعيد الاجتماع الإنساني.<br />
مبدأ آخر يرتكز عليه دور المسلمين في التطوير الثقافي في عالمنا، وهو مبدأ العدل بين الناس وتكافلهم. وإقامة العدل هي الكفيلة باستتباب السلام، كما أن غيابه يؤدي إلى ظهور مسببات التوتر في المجتمعات والدول، من استعلاء واستغلال وتعصب وإرهاب. وقد حفلت كتب &#8220;تدبير الممالك&#8221; التي ظهرت في الحضارة الإسلامية، بالحديث عن العدل، ومنها كتاب ابن أبي الربيع &#8220;سلوك المالك في تدبير الممالك&#8221; الذي اعتبر العدل أحد أركان المملكة الأربعة الذي يتكامل مع الملك والرعية والتدبير. وقد قسّمه إلى ثلاث أقسام، هي ما يقوم به العباد من حق الله عليهم، وما يقومون به من حق بعضهم على بعض، وما يقومون به من حقوق أسلافهم. ولعل أبسط تعريف للعدل، هو أن يحب المرء للآخر ما يحبه لنفسه، ولا يرضى للآخر ما لا يرضاه لنفسه. والعدل يدعو إلى تحقيق التكافل الاجتماعي.<br />
إنّ القيام بهذا الدور على صعيد الاجتماع الإنساني والنجاح فيه، كفيل بنشر ثقافة تساعد على معالجة مشكلة الفقر المتفاقمة في عالمنا على صعيد المجتمع الواحد، وعلى صعيد دول غنية وأخرى فقيرة، وكذلك على معالجة المشاكل الأخرى الخاصة بالأسرة والمرأة والشباب التي تناولتها البيانات المسيحية &#8211; الإسلامية والتقارير الدولية. وقد فصلت الحديث عنها دراسات كثيرة.<br />
إنّ هذا التطوير الثقافي يدعو أيضاً إلى التمسك بمبدأ التعارف وصولاً إلى التعاون على البرّ والتقوى، مع دعوته للتمسك بمبدأ وحدة أصل البشرية، ومبدأ المساواة، ومبدأ العدل والتكافل. وهذا يعني أن الأصل هو تعاون الحضارات لا صراعها، وأن المجتمع الإنساني مدعو إلى الوصول بكل تياراته، إلى كلمة سواء هي العمل لصالح الإنسان، وأن بني البشر أن يستبقوا الخيرات. وهكذا يكون الإسهام في مواجهة خطر طغيان الإنسان على أخيه الإنسان.<br />
واضح أن الثقافة التي تستند إلى هذه الرؤية المؤمنة، كفيلة بمعالجة الغلو والتطرف، لكونها تحث على &#8220;الوسطية&#8221; و&#8221;الاعتدال&#8221;، وتدعو إلى &#8220;التوازن&#8221;. وهذا ما يجعلها قادرة على الإسهام في مواجهة خطر طغيان الإنسان على البيئة. ولافت للنظر أن فكرة &#8220;التوازن&#8221; تنتشر اليوم لتتكامل مع فكرة &#8220;النمو&#8221; في أوساط المعنيين بالتنمية، خبراء وسياسيين على السواء.<br />
وبعد:<br />
تبرز مجموعة تساؤلات حول قيام المسلمين بدورهم في التطوير الثقافي في عالمنا، في ختام هذه الدراسة، وهي تتصل بالمتطلبات والكيفية والآلية، وتدعو إلى محاولة طرح إجابات.<br />
إنّ قيام إنسان عصرنا بدوره في التطوير الثقافي يتطلب نهوضه، وهذا يصدق على المؤمنين مسيحيين ومسلمين، والنهوض يتحقق بالروح الوثابة، وتغيير النفس إيجابيا بتزكيتها، وإعمال الفكر، وبالسلوك القدوة الذي يجعل من صاحبه أسوة حسنة، وهكذا فإن قيام المسلمين بهذا الدور، يتطلب أن تتابع القيادات الروحية والفكرية العمل لتحقيق النهوض في مجتمعنا، وتجاوز ما يحفل به الواقع الثقافي من سلبيات، والنجاح في إقناع القيادات السياسية بتبني برنامج النهضة الثقافية. وهو يتطلب أيضاً التعاون مع المؤمنين في عالمنا للعمل معاً لمعالجة المشكلات العالمية، سواء في دائرتهم الحضارية الإسلامية، أو في دوائر الحضارات الأخرى التي يعيشون فيها.</div>
<p><span style="font-size: small;"> </span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://7oreya.com/Articles/2011/%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%a7%d9%82%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%a7-%d9%88%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d9%8a/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
